أخبار وطنية منيرة يعقوب تعلق على خيارات التيّار الدّيمقراطي وتذكّر بالحقائق التالية...
بقلم منيرة يعقوب
صباح الخير، بما أنّو فمّة برشة ناس توّة ولّات تحكي على التيّار الدّيمقراطي وتعمل في سرديّات لبطولات في المواقف منه، رأيي كان دائما وأبدا"متحفّظا جدّا" ولم أكن أرى أنّه يمكن أن يكون حليفا صلبا لأيّ طرف عدى لحزب حركة النّهضة... أمّا تلك الخطب العالية الصّوت في البرلمان وغيره، فليست إلّا (حسب رأيي المتواضع والقابل للخطأ) من باب "رانا نجّمو نؤذيووكم يا نهضة وخيرلكم كان نكونو معاكم... والدّليل التصريح الأخير لفلان أو فلانة"!
وعلى سبيل الذّكر، لا الحصر، وبعد إنتهاء أشغال المؤتمر الثّاني لحزب التيّار الدّيمقراطي، أرسلت مقالا بسيطا لإحدى الجرائد بتاريخ 25/4/2019، لكنّ القائمين عليها قدّروا أنّه من غير المفيد نشره في ذاك التّاريخ.
ها أنّي أنشره هنا:
عقد حزب التيّار الدّيمقراطي مؤخّرًا مؤتمره الثّاني وشهد حفل الإفتتاح حضورا كبيرا للقيادات السّياسيّة ونوّاب من البرلمان ومسؤولون نقابيّون من الصفّ الأوّل وناشطون من المجتمع المدني إضافة طبعا للمؤتمرين.
وكان جليًّا أنّ ما كان قد سُوِّق له منذ مدّة بخصوص "عودة" السيّد محمّد عبّو لمنصب الأمانة العامّة (الذي تركه منذ العام 2016 ليتقلّده الأستاذ غازي الشّواشي عضو البرلمان عن التيّار الدّيمقراطي ) كخطوة أولى نحو ترشيحه للإنتخابات الرّئاسيّة المُقرّرة لنهاية العام الجاري قد أصبح واقعا ولم يبقى للمؤتمر غير التّصديق على التّرشيح.
لذا كانت كلمة السيّد محمّد عبّو منتظرة لكونها مناسبة، أولى على الأقلّ، لتبيّن التوجّهات المستقبليّة لحزب التيّار الدّيمقراطي وتكوين فكرة على أهمّ مشاغل مرشّح مُتقدّم لنيل أصوات ناخبات وناخبين ليسوا بالضّرورة جميعا من التيّاريّات و التيّاريّين وبالتّالي كان خطاب السيّد عبّو محلّ إهتمام على كلّ المستويات شكلا ومضمونًا، فالخطيب (أو الخطيبة) قد يكسب (أو يفقد) جانبا لا يستهان به من حظوة المُتتبّعين والمُتتبّعات منذ اللّحظات الأولى لإعتلاء المنصّة وأخذ الكلمة .
فقد إختار أمين عام التيّار الدّيمقراطي ومرشّحه للرّئاسيّات القادمة البدء بالقضيّة الفلسطينيّة وهي جديرة بأن تكون في البدايات والخواتيم شرط أن يكون للمتحدّث-الخطيب القدرة على التّكثيف و...الوضوح! فمساندة القضيّة الفلسطينيّة لا يمكن الإكتفاء في التّعبير عنها بالحديث عن وجود أجيال من المقاومين التّونسيّين ساهموا في الكفاح المسلّح وقاموا بعمليّات فدائيّة لا زالت ذكراها ترعب العدوّ الصّهيوني والمصاعب التي تكبّدوها للإلتحاق بالمنظّمات الفلسطينيّة بسبب الحدود المُغلقة... حديث عن فلسطين بصيغة الماضي وكأنّها قضيّة منتهية ولا مستجدّات فيها!
بعد ذلك تخلّص السيّد عبّو للحديث عن الثّورات العربيّة وفسّر فشل أغلبها بالسّلاح ومن يمتلكه في ظواهر الأمور ولا وجود لقوى إستعماريّة وجيوش النّاتو ومصالح كبرى في منطقتنا العربيّة أي بطريقة أوضح وكأنّ كلّ بلد جزيرة معزولة عن محيطها الدّولي بكلّ ما فيه من تعقيدات وعلاقات تتّسم غالبا بهيمنة قوى إستعماريّة تقابلها مُقاوِمة...
أمّا وبخصوص السّياسة الدّاخليّة، فقد ركّز كما كان مُتَوَقَّعًا على الفساد وهو أمرٌ جيّد ومحمود إتّصاليًّا، لكن السيّد محمّد عبّو إقتصر هنا أيضا على وصف الظّواهر من تعطيل حركة السّلع بالموانئ وتمويل أحزاب وما شابه ! وربط ذلك بشكل شبه ميكانيكي بالإستثمار الخارجي وكأنّ الفساد هو مُجرّد ظواهر بعضها يتحوّل لقضايا وليس فسادا هيكليًّا متأتّي من منظومة بُنيت على النّهب لفائدة دوائر المال الأجنبيّة ووكلائها في الدّاخل كما أنّ تركيزه على الإستثمار وتحديدا الخارجي يشي ب"إنخراط" في نظريّات حتميّة التّبادل الحرّ مع شمال المتوسّط (الإتّحاد الأروبي) وضرورة العمل على تطمين المستثمرين الأجانب بمزيد من الشّفافيّة وأقلّ فساد وكأنّ السيّد محمّد عبّو لا يرى خلاص آخر للبلاد في تنمية إقتصادها بمقدّراتها وثرواتها الوطنيّة وذكاء بناتها وأبناءها وعلى الدّولة أن تقضي على كلّ أسباب الفساد من أجل مصلحة المواطنات والمواطنين أوّلا وليس إرضاءا لمن لا يرى في تونس غير سلطات قرار يسهل تركيعها ويد عاملة بخسة وموقع جغرافي قريب من الأسواق وعملة متدحرجة و...
السيّد محمّد عبّو وطوال خطابه (وحتّى في مناسبات أخرى) لم يغادر الطُّرق السّالكة أي الحديث عن "إحترام الدّولة"و"إحترام القانون"و"الثّناء على الأمن"و"الدّولة القويّة والعادلة" وإن كان هذا مفهوما لدى مناضل حقوقي(والسيّد عبّو كذلك)لكنّه يصبح غير كافٍ لدى قائد سياسي يستعدّ لإنتخابات وفي هذه الحالة يصبح مطالبا بتقديم مضامين لهكذا عناوين حتّى لا أقول شعارات.
فالدّولة القويّة وتطبيق القانون على سبيل المثال مفاهيم عامّة قد تُؤسّس لدكتاتوريّة إذا لم تقترن بتعريف من يمسك بمقاليد تلك الدّولة ويضع قوانينها ولصالح أيّ طبقات إجتماعيّة...
الحقيقة ، يبدو أنّ الأستاذ محمّد عبّو وجد في مقولات تطبيق القانون وإحترام مقتضيات الدّستور الإجابة التي يمكنه تقديمها في كلّ موضوع وكلّ مناسبة، فبخصوص مسألة الحريّات الفرديّة والمساواة مثلا وفي معرض تدخّله بمؤسّسة "روزا لوكسمبورغ" السّنة الفارطة(ندوة نظّمتها نشاز وشارك فيها كلّ من الرّفيق حمّة الهمّامي والسيّد محمّد القوماني عن حركة النّهضة) تمترس السيّد عبّو في الجانب الإجرائي (إحترام الدّستور) ولم يتقدّم خطوة واحدة نحو تبنّي قضايا الحريّات والمساواة كمعركة نضاليّة يخوضها من يؤمن فعلا بالحريّة والمساواة كقيمٍ إنسانيّة لا تُخاض فقط على مستوى النصّ القانوني بل وأيضا على المستوى الثّقافي والإجتماعي والإقتصادي وتتطلّب توثّبا دائما للقوى التّقدّميّة للدّفاع عن المكتسبات وتحقيق المزيد منها وحمايتها من أيّ إنتكاسات.
السيّد محمّد عبّو هو فعلا مناضلا محترما لكن يبدو أنّه ليس بعد مستعدًّا للقطع مع تجربة حزبه الأصلي "المؤتمر من أجل الجمهوريّة" بل وربّما هو الآن بصدد تقديم نفسه ك"رأس لقوى الثّورة" (عوضًا عن الرّئيس السّابق محمّد منصف المرزوقي) في مواجهة قوى الثّورة المضادّة مُمَثّلة في يوسف الشّاهد (لاحظوا التّغييب الكلّي لدور حزب حركة النّهضة) لذا ومنذ خطاب إفتتاح مؤتمر حزبه تركّزت إنتقاداته على رئيس الحكومة وكأني بالسيّد عبّو يتناسى دور حليفته سابقا (النّهضة) في بقاء الشّاهد.
منيرة يعقوب
25/4/2019